كان آخر شعاع للشمس يتوارى من سماء "نيو مكسيكو"، تاركًا وراءه خطوطًا برتقالية فوق التلال البعيدة، ولكن في الحديقة الواسعة لمنزل أبيض كبير ذي طابقين، كان صوت ضحكات طفلة صغيرة يملأ الهواء الهادئ.
- وجدتك! صرخ "ليو"، الشاب طويل القامة ذو البنية الصلبة، وهو يزيح يديه عن عينيه الزرقاوين اللتين تلمعان بفضول. رأى ابنة أخته "هيلين" ذات السنوات السبع وهي تختبئ، بشكل غير متقن، خلف شجيرة ورد هزيلة.
قفزت من مكانها وركضت نحوه، لترتمي في حضنه.
- لقد تأخرت هذه المرة يا خالي "ليو"!
ضحك "ليو" وهو يرفعها في الهواء ويدور بها، فسقطت خصلة من شعره البني على جبهته في تمردها المعتاد. كانت هيلين بالنسبة له أكثر من مجرد ابنة أخت؛ كانت الشعاع المضيء في عالمه.
- كنتِ سريعة جدًا، قال وهو ينزلها على الأرض. "لكنني سأفوز في المرة القادمة."
- لا، لن تفعل، قالت بجدية طفولية وهي تخرج من خلف ظهرها عروسة صغيرة محشوة بالقطن وقالت:
- لأنك الآن يجب أن تجد عروستي 'إميلي'. حسنًا، أغمض عينيك وعد إلى عشرة.
بينما كان "ليو" يغطي عينيه، تسللت هيلين بخفة نحو سيارته في المرآب المفتوح. فتحت الباب الخلفي الثقيل، مدت يدها الصغيرة، ووضعت العروسة في الفجوة الضيقة بين المقعد ومسند الظهر، ثم همست للسيارة في صمت المرآب:
- لا تخبري أحدًا... إنه سرنا.
- وجدتك! جاء صوت ليو من خلفها فجأة، فانتفضت وهي تضحك.
- لا، لقد وجدتني أنا، لكنك لم تجد "إميلي"!
بحث "ليو" في كل مكان. بحث خلف شجيرات الورد، وتحت أرجوحة الشرفة، وحتى داخل صندوق البريد الفارغ، بينما كانت هيلين تراقبه وتضحك. أخيرًا، تظاهر بالإرهاق وجلس على درجات الشرفة.
ضحك "ليو" ضحكة استسلام.
- حسنًا، لقد هزمتني هذه المرة يا صغيرة. لكنني سأجدها عند عودتي. اعدكِ أنتِ وهي، أننا سنكمل اللعبة حينها.
أمسكت بيده وقالت:
- هل ستخرج الآن؟
أومأ برأسه.
- نعم، لدي موعد.
- مع "جينا"؟
- مع "جينا"، أكد وهو يبتسم ابتسامته العريضة.
عانقته بقوة، وتشبثت بعنقه للحظة.
- أحبك يا خالي "ليو".
- وأنا أحبك يا صغيرتي، همس في أذنها. "كوني فتاة جيدة."
ابتعدت عنه، وقالت،
- أنت بطلي.
تركت هذه الكلمات أثرًا دافئًا في قلبه وهو يدخل المنزل ليأخذ مفاتيحه. لوح لها مرة أخيرة من النافذة، ثم خرج، تاركًا وراءه لعبة لم تكتمل، ووعدًا لن يتمكن من الوفاء به أبدًا.
كانت رائحة عطرها تسبقها دائمًا. مزيج من الفانيليا وشيء آخر، شيء يشبه رائحة المطر الصيفي على الأسفلت الساخن. هذا ما فكر فيه "ليو" وهو يوقف سيارته أمام منزلها، في "نورث فيرجينيا أفينيو". كان المحرك يزأر مثل وحش على وشك الانقضاض، والمصابيح الأمامية تلقي ضوءًا ساطعًا على الشرفة الخشبية حيث تنتظره.
بدت "جينا" رائعة بشعرها الأسود الداكن المسدل على كتفيها، وجمالها الكلاسيكي الهادئ.
- تأخرت، قالت وهي تجلس إلى بجانبه.
جلبت معها تلك الرائحة، عيناها البنيتان الداكنتان كانتا تحملان ذكاءً وهدوءًا بدا دائمًا وكأنه المرساة لروحه الحالمة.
- ازدحام مروري وهمي، قال مبتسمًا، وهو يضع ذراعه حولها ويقود السيارة عائدًا إلى الطريق الرئيسي، لينعطف يسارًا إلى "ماين ستريت".
كان من المفترض أن يقابلا "مارك" و"سارة" في الحفلة المقامة على الجانب الآخر من المدينة عند السادسة مساء، لكن الحفلة بدت فجأة شيئًا بعيدًا، شيئًا تافهًا. كل ما يهم كان هنا، في هذه السيارة.
أمسك بيدها، كانت أصابعها باردة قليلًا، وناعمة، مرر إبهامه على مفصل إصبعها، وشعر بالخاتم الفضي الصغير الذي لا تخلعه أبدًا.
- أحبكِ، قالها همسًا.
- أعرف، أجابت بصوت خافت، وأدارت رأسها لتنظر إليه، وعيناها تلمعان في الضوء الخافت المنبعث من العدادات.
دون تفكير، وبدلاً من الاتجاه شمالاً نحو الحفلة، انحرف "ليو" شرقًا عند التقاطع، متجهاً نحو الطريق السريع US-380 بعد أن ترك آخر أضواء المدينة خلفه. أدار المقود بحدة نحو طريق ترابي قديم يعرفه كل المراهقين في البلد، "طريق تل كومانشي القديم"، توقف في العراء الشاسع، حيث لا يوجد سوى شجيرات "المسكيت" المتناثرة وصمت الصحراء المطبق. أطفأ المحرك، حل الصمت، سوى من أغنية هادئة منبعثة من الراديو وصرير حشرات الليل.
اقترب منها، وكان العالم أصبح محصورًا في المسافة بين شفتيه وشفتيها. كانت القبلة الأولى ناعمة ومترددة، ثم أصبحت أعمق، أحمر الشفاه بطعم الفراولة طبع على شفتيه، فشعر بأن الزمن قد توقف.
وهنا، وفي وسط كل هذا، حدث الأمر.
لم يكن ضوءًا عاديًا. لقد كان وميض، لونه أخضر مائلًا للزرقة، كلون المواد الكيميائية السامة. لقد غمر المقصورة الداخلية للسيارة لثانية واحدة، ورسم على وجه "جينا" ظلالاً جعلتها تبدو كهيكل عظمي. تلاشى الضوء بنفس السرعة التي ظهر بها، تاركًا وراءه بقع متوهجة في عيونهم.
بعد ثانية، شعروا به. اهتزاز منخفض وعميق، في الأرض تحتهما. اهتزاز سرى عبر الإطارات ليضرب عظامهم.
- ما هذا؟" شهقت "جينا"، وابتعدت عنه، وعيناها متسعتين بالرعب. "ليو، ما هذا ...؟"
نظر "ليو" عبر الزجاج الأمامي، في اتجاه التلال التي تبعد بضع كيلومترات. كان يرى وهجًا خافتًا يرتفع من خلف الأشجار، مثل وحش خرافي. هنا عرف، أن ما حدث توًا كان أمرًا جللًا.
- لا أعلم، قال، وأعاد تشغيل المحرك.
- ليو، ماذا تفعل؟ صرخت "جينا" عندما بدأ يقود السيارة ببطء على الطريق الترابي، متجهًا نحو الوهج.
- لا! أدر السيارة! دعنا نذهب من هنا! أرجوك" صاحت جينا.
كان صوتها حادًا ومليئًا بالذعر، لكنه لم يستطع التوقف. كان فضوله أشبه بضربات في رأسه، وكأن هناك شيء يجذبه إلى الأمام.
- أريد فقط أن أرى، قال بصوت غريب، صوت لم يكن صوته تمامًا.
بدأت "جينا" تسحبه من ذراعه، وتشبثت به بقوة.
- ليو، هناك شيء خطأ! أشعر به! دعنا نذهب إلى الحفلة، أو نعود إلى المنزل، أو أي مكان! ليس هنا!
لكنه استمر في القيادة، كأنه في غيبوبة، حتى وصلوا إلى منعطف في الطريق، هناك انفتحت الأشجار لتكشف عن حقل صغير. أوقف السيارة وأطفأ المصابيح الأمامية.
في وسط الحقل، كان الشيء هناك.
جلس الاثنان في صمت مطبق، وفككوهما متدلية، وعيونهما تحدق في المشهد أمامهما. لقد اختفت كل الكلمات من العالم، ولم يتبق سوى الخوف، والدهشة.
كان هناك ضغّط على طبلة الأذن، وكأن الهواء نفسه قد أصبح ثقيلًا ولزجًا، وهمهمة منخفضة شعر بها "ليو" كاهتزاز في أسنانه، أما الضوء الأخضر فكان، يخترق عينيه ويغرس جذوره في مؤخرة رأسه، ويسحب إرادته كما يسحب المد الشاطئ.
- أرجع السيارة الآن! بحق الجحيم، أخرجنا من هنا يا ليو!"
- حسنًا، حسنًا، سنذهب، سنذهب الآن.
أدار المفتاح، دفع ناقل الحركة إلى وضع الرجوع، وداس بقدمه على دواسة الوقود بكل ما أوتي من قوة.
لم يحدث شيء.
كان المحرك يصرخ، والمؤشر على عداد دورات المحرك ترتعش في المنطقة الحمراء. لكن السيارة كانت صخرة. لم تتحرك. كانت متجمدة في مكانها، ثم، شعر بها تتحرك نحو هذا الشيء.
تحولت زجاج السيارة الأمامي إلى شاشة عرض سينمائية تعرض مشهد اقترابهما من الشيء، الذي أصبح الآن يملأ الزجاج الأمامي بأكمله، بظلامه المطلق وزواياه الحادة.
انفتحت بوابة في هذا الشيء بسلاسة وهدوء، كاشفة مستطيل من الظلام الخالص، أكثر سوادًا من أي ظلمة ليل، بينما كانت السيارة تواصل اتجاهها نحوه، حاملة إليه راكبيها المذعورين.