للأناقة عنوان

بقلم هنري ماكسويل

منذ يومين لا أكثر، أخذني الحنين لزيارة وسط البلد، وتحديدًا إلى شارع "شريف"، حيث كان يأخذني والدي صغيرًا، أنا وأمي وأختي الكبرى، فنركب السيارة لنشاهد فيلمًا في إحدى دور العرض، أو نتسوّق من متاجره. وكثيرًا ما كانت وجهتنا الأخيرة هي زيارة صديقه "يوسف".

أنا ما زلت أذكر "يوسف" جيدًا، وكأنني رأيته بالأمس. كان يمتلك أتيليه واسعًا في شقة فسيحة بعمارة بجوار سينما ميامي، عمارة من ذلك الطراز الذي لا يُبنى الآن؛ سلالم من الرخام، ودرابزين من الحديد المشغول، ومصعد خشبي يصعد بك على مهل. كان يرتاد عليه معظم أهل الفن وبنات الذوات، وكان هو من يتحكّم في إطلالتهنّ وسرّ أناقتهنّ.

وكانت أمي تفضّله على أشهر طرزيه أوروبا. كانت تقول بثقة إن يدي يوسف تنطقان بلغة لا يعرفها أولئك؛ لغة تفهم جسد المرأة، وتعرف كيف تكسوه وقارًا وأنوثة. وفي ذلك الأتيليه تعرّفت أمي على معظم فنانات مصر من جيل العمالقة، وهنّ يجلسن هناك ينتظرن أدوارهنّ كأيّ سيدة عادية.

والعجيب أن "يوسف" لم يكن يحمل تلك الألقاب الرنّانة التي اخترعناها نحن في زماننا هذا ونفخناها بالهواء حتى انتفخت؛ لم يكن "بيت أزياء يوسف"، ولا "يوسف مصمّم الأناقة"، ولا "يوسف خبير الموضة" مثل الذي يطلّ علينا من الشاشات بكلمات رنّانة نصفها بلغة أجنبية وكأنه وُلد هناك، مع أن موهبة يوسف كانت تنافس كل هذه الألقاب مجتمعة، بل دعني أصحّح العبارة وأقول إن تلك الألقاب هي التي كانت تنافسه وتعجز، ولكن كانت ميزته الحقيقية هي إتقانه الشديد لعمله.

كانت يافطته بسيطة متواضعة رغم فخامة المكان وأناقته، كُتب عليها بخط هادئ رصين ثلاث كلمات فقط:

يوسف - ترزي سيدات

ثلاث كلمات، لكنها كانت تختزل عالمًا من الإتقان، وفنًّا لا يُشترى من رفّ جاهز.

وآه من ذلك الإتقان! أتذكّر أنه قبل أن تستلم أمي فستانها كان لا بدّ أن تمرّ على "بروفتين" اثنتين، لا يتنازل عنهما يوسف أبدًا. وكثيرًا ما كانت أمي، إعجابًا منها بدقّته، تقول له إن الفستان مضبوط تمامًا ولا حاجة لمزيد، فيهزّ رأسه في إصرار لطيف ويقول:

"لأ يا مدام، لازم بروفتين، علشان أنا أطمئن إنك مرتاحة، وأشيك واحدة كمان."

كلمات ظاهرها مجاملة رقيقة، لكنها كانت تعني الكثير. كانت تمثّل دستوره في الحرفة، وضميره الذي لا ينام، ذلك الإتقان الذي افتقدناه في أيامنا هذه إلا من رحم ربي.

وكنت أنا ذلك الصبيّ الصغير الذي يصاحب والدته في زياراتها، أجلس في ركن من الأتيليه أتأمّل المقصّات والأقمشة وبكرات الخيط الملوّنة، فيمرّ بي يوسف ويربت على كتفي ويناديني بابتسامته الأبوية: "إزيك يا أستاذ يا صُغير؟" هكذا كان يدعوني دائمًا؛ "الأستاذ الصغير". وهناك أيضًا عرفت ابنه "وفيق"، صبيّ في مثل سنّي تقريبًا، كنّا نتسلّل بين طاولات القصّ ونلهو بينما ينهمك الكبار في شؤون الأقمشة والمواعيد. كانت بيننا تلك الألفة الطفولية البريئة التي لا تحتاج إلى كلام كثير.

ولن أنسى ذلك اليوم الذي رافقت فيه أمي وأختي حين جاءتا لتفصيل فستان فرح أختي. كان يومًا يضجّ بالفرح المرتقب؛ وأختي تقف أمام المرآة وعيناها تلمعان بحلم يوشك أن يكتمل، ويوسف يدور حولها بدبابيسه وشريط القياس، يهمس ويقيس ويعدّل، كأنه نحّات يصوغ تمثالًا من حرير.

❊❊❊

وعندما قرّرت منذ يومين أن أصعد لرؤية الأتيليه في الطابق الثاني، هالني ما وجدت، وشعرت أن قبضة باردة تعتصر قلبي.

في مدخل العمارة التي كانت يومًا فاخرة مهيبة، وجدت مستودعًا فوضويًّا للباعة الجائلين، قد احتلّوا البهو بصناديقهم وبضاعتهم الرخيصة، كأنهم جيش غاز نصب خيامه فوق أطلال مدينة منهزمة. وبشقّ الأنفس تمكّنت من التسلّل عبر الزحام، وصعدت تلك السلالم التي فقدت بريقها حتى وصلت إلى الطابق الثاني. وهناك وجدت الشقة. وجدت اليافطة القديمة نفسها، لكن الأتربة قد غطّتها بالكامل، ولم يعد يظهر منها سوى بعض الحروف المتفرّقة الباهتة، التي تبدو وكأنها تحاول أن تلتقط أنفاسها من تحت ركام الغبار والنسيان.

توقّفت أمامها أنظر إليها وفي قلبي غصّة، وأخذت أتخيّل ذلك الباب وقد فُتح على مصراعيه، و"مدام جانيت" تستقبلنا بترحاب، تطوف علينا وعلى الزبائن بصينية الشاي والقهوة.

عدت إلى منزلي وكلّي إصرار على أن أعرف مصير أبنائه. ذهبت إلى بيتهم القديم في شبرا، فوجدته مغلقًا، تطلّ نوافذه عليّ صامتة كعيون كفّت عن البكاء. استعلمت من الجيران، فلم يدلّني أحد؛ فالجيرة نفسها لم تعد كما كانت، صار الناس يسكنون متجاورين غرباء. وحين هممت بالمغادرة منكسرًا، استوقفني رجل مُسنّ وقال إن ابنه قد فتح مطعمًا في حي راقي.

لم أتردّد لحظة. توجّهت إلى هناك على الفور، يحدوني أمل غريب. وهناك وجدت مطعمًا أنيقًا، جلست، وما هي إلا دقائق حتى ظهر "وفيق". عرفته رغم السنين التي خطّت على وجهه ما خطّت، وتوجّهت إليه وذكّرته بنفسي، فاغتبط اغتباطًا شديدًا، وعانقني عناق من وجد قطعة من ماضيه، وجلسنا نستعيد الذكريات.

أخبرني "وفيق" أن والده قد توفّاه الله منذ عشر سنوات، لكن الحال كان قد تدهور قبل ذلك بكثير، منذ أن انصرف الناس إلى الملابس الجاهزة، وزحف الاستيراد الرخيص من بلاد شرق آسيا كالسيل، فاختفى الزبائن واحدًا تلو الآخر؛ بعضهم غيّبه السنّ، وبعضهم لم يعد يملك صبرًا على فستان يُفصَّل في ثلاثة أيام قبل البروفة الأولى. لقد صار الناس يريدون كل شيء جاهزًا ساخنًا فوريًّا، حتى أناقتهم. ومات في طريقهم ذلك الجمال الذي كان يحتاج إلى الانتظار.

ثم نظر إليّ "وفيق" نظرة فيها سرّ ما، وقال:

"أتعرف يا صديقي، والدي ترك رسالة شفوية مع البوّاب: إن سأل عني أيّ إنسان باسم ماكسويل، فعليك إخباري فورًا، وأبلغه أني أريد رؤيته لأمر هام."

تجمّدت. لم أفهم كيف يترك "يوسف" شيئًا لي، أنا الذي لم أكن آنذاك سوى ذلك "الأستاذ الصغير" الذي يصاحب والدته! كيف ثبتُّ أصلًا في ذاكرة رجل تتزاحم على بابه نجمات السينما؟

لكنّي في تلك الليلة جلست مع "وفيق" حتى أغلق مطعمه قرابة الثانية عشرة، ثم توجّهنا معًا تحت جنح الليل إلى أتيليه والده في شارع "شريف". دخلنا الشقة، فوجدت كل شيء مغطًّى بالملاءات البيضاء كأنه أشباح نائمة، أو كأن المكان أغمض عينيه منذ سنين.

دخل "وفيق" غرفة والده، وغاب قليلًا، ثم خرج يحمل علبة مجوهرات صغيرة قد كُتب عليها اسمي أنا! نظرت إليها وقلبي يدقّ، وفتحتها بأصابع مرتجفة. وكان بداخلها خاتم أختي الماسيّ.

نظرت إلى "وفيق" ولم أفهم شيئًا. فهذا الخاتم بالذات كان قد اختفى قبل سفرنا من مصر بيوم واحد، وبالرغم من قيمته الغالية، لم تُسعفنا فوضى الرحيل وحرقة الوداع للجلوس والبحث عنه. لقد ضاع وسط ضجيج الهجرة، وطواه النسيان مع ما طوى.

ابتسم "وفيق" ابتسامة حانية وقال:

"عندما حضرت أختك لاستلام فستان فرحها، نسيت الخاتم في غرفة البروفة، فوجدته مدام جانيت. احتفظنا به في انتظار أن تعودوا للبحث عنه، لكن غيابكم طال أكثر من أسبوع، فذهبت جانيت إلى منزلكم فوجدته مغلقًا، وعلمت من الجيران بخبر هجرتكم. فما كان من والدي برويّته المعهودة إلا أن وضع الخاتم في خزانته الخاصة هنا في الأتيليه، وكتب عليه اسم أصغر أفراد العائلة. وهو أنت."

ثم أضاف بفخر هادئ:

"وها هو اليوم يُثبت أنه كان صاحب بصيرة ثاقبة."

لم أتمالك نفسي. أخرجت هاتفي على الفور، والتقطت للخاتم صورة وأرسلتها إلى أختي عبر تلك المحيطات والقارات التي تفصلنا، ثم اتصلت بها. سمعت صوتها عبر الهاتف يرتجف من الفرحة والدمع معًا، وكأن قطعة من بيتنا القديم قد عادت إليها فجأة. وفي تلك اللحظة ترحمنا كلانا بقلب واحد ذلك الرجل، وهمست: رحم الله عم يوسف.

خرجنا من العمارة، والليل قد بلغ منتهاه، وكان بإمكاني أن أمضي. لكنني توقّفت أمام اليافطة مرة أخرى. نظرت إلى حروفها المختنقة تحت الغبار. وعندئذ أخرجت منديلي، ومسحت عنها التراب برفق، كمن يمسح الدمع عن وجه عزيز راحل، حتى لمعت من جديد وعادت تتنفّس، ليقرأها المارّون العابرون، وإن كانوا لا يعرفون من صاحبها، ولا أيّ زمن نبيل يقف خلف ثلاث كلمات بسيطة أضفت لهم بقلمي كلمتين فقط لتصبح:

"يوسف - ترزي سيدات"
للأناقة عنوان.
هنري ماكسويل © جميع الحقوق محفوظة