سري للغاية
DECLASSIFIED

چورچ بليك

الجاسوس الذي خدع الجميع

كان "جورج بليك" التجسيد الحيّ لنموذج الرجل البريطاني النبيل في أبهى صوره؛ إذ كان يتمتع بكاريزما طاغية، وذكاءٍ متوقد، وسحرٍ يفيض من جنباته. لقد مثّل بالنسبة لجهاز الاستخبارات البريطانية , النموذج الأمثل لضابط الاستخبارات. بيد أنه، وتحت هذه الواجهة المصقولة، كان يقبع عقلٌ مدبرٌ لفنون الخداع. فبعد أن سحره الوعد بـ “يوتوبيا" شيوعية (المدينة الفاضلة)، وأصيب بخيبة أملٍ مريرةٍ إزاء التكتيكات العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) إبان الحرب الكورية، أدار "بليك" ظهره لوطنه، مُفشيًا أسرارًا قوميةً، وخائنًا لزملائه من العملاء لصالح السوفييت خلال حقبة الخمسينيات من الحرب الباردة. وعلى النقيض من مصير الكثيرين ممن غدر بهم، امتد العمر بـ “بليك" ليحيا حياةً مديدةً في موسكو، في كنف الكرملين ورعايته. وعلى امتداد عقودٍ خلت أُتيح له فيها أن يتأمل خيارات حياته، لم يخالجه ندمٌ قَطّ؛ بل ظل، حتى رمقه الأخير، جاسوسًا راضيًا، مرتاح الضمير لا يثقله شعورٌ بالذنب، مؤمنًا إيمانًا راسخًا بأنه في عالم الجاسوسية المظلم، لا يوجد إنسانٌ بريءٌ حقًّا. هذه هي قصة "جورج بليك".. أعظم خائنٍ عرفته بريطانيا.

جورج بليك في الظلال المرفق (أ): صورة أرشيفية متخيلة للعميل المزدوج

وُلد "جورج" في الحادي عشر من نوفمبر عام 1922 في مدينة "روتردام"، وكانت مسقط رأسه بمثابة بوتقةٍ تنصهر فيها الثقافات والأفكار، في إرهاصٍ مبكرٍ، ربما، لما ستؤول إليه معتقداته ومُثُله المعقدة لاحقًا. كان لقب عائلته في الأصل "بيهار"، وقد وُلد والده "ألبرت" في مصر لأسرةٍ ذات أصولٍ يهودية. كَبُر "جورج" وهو يستمع بشغفٍ إلى الحكايات التي كان يرويها والده عن فترة خدمته في الفيلق الأجنبي الفرنسي والجيش البريطاني إبان الحرب العالمية الأولى. كان "ألبرت" قد أُصيب خلال الحرب، حيث تركت الشظايا المتطايرة ندوبًا غائرةً في وجهه، كما تضررت رئتاه إثر هجومٍ بالغاز السام. وبُعيد الحرب بوقتٍ قصير، نُقل "ألبرت" للعمل في "روتردام" حيث استقر والتقى بوالدة "جورج"، "كاثرين". كانت امرأةً هولنديةً تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا، وتعتنق المذهب البروتستانتي الإصلاحي. وفي مرحلةٍ ما، ولعل ذلك كان بفضل خدمته العسكرية، مُنح "ألبرت" جواز سفرٍ بريطانيًّا، ونتيجةً لذلك، وُلد الشاب "جورج" مواطنًا بريطانيًّا.

كان لـ “جورج" شقيقتان يصغرانه سنًّا هما "أديل" و"إليزابيث". وطوال معظم سنوات طفولتهم الأولى، عاشت الأسرة حياةً رغيدةً بين الأوساط البرجوازية المحافظة في هولندا، حيث كانوا يُكنّون تبجيلًا عميقًا للعائلة المالكة الهولندية. اعتنق "جورج" المذهب الكالفيني، وكان يطمح لأن يصبح قسًّا في الكنيسة الإصلاحية الهولندية. غير أن عائلة "بيهار" شهدت تبدد ثرواتها حين تضرر عمل "ألبرت"، شأنه شأن الكثيرين غيره، جراء الانهيار الكارثي لبورصة "وول ستريت" عام 1929. لم يكن "جورج" قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره حين أسلم والده الروح عام 1936، بعد أن استسلم أخيرًا لجراحه التي خلّفتها الحرب.

تلقى "جورج" صدمةً قاسيةً حين علم بجذوره اليهودية إثر وفاة والده؛ وهي حقيقةٌ لطالما أبقاها "ألبرت" سرًّا طيّ الكتمان. هذه الفجيعة، مقترنةً بالضائقة الاقتصادية المستمرة في حقبة الثلاثينيات، أدت إلى انتقال "جورج" الشاب للعيش في كنف عمته الثرية "زفيرة" في مصر. وفي هذه البيئة الجديدة، واصل تعليمه في المدرسة الإنجليزية بالقاهرة. وهناك، تحديدًا، بدأ "جورج" يضع اللبنات الأولى لرؤيته الأيديولوجية للعالم.

توطدت علاقته بابن عمته "هنري كورييل"، الذي كان رجلًا منفتحًا، ومولعًا بالنساء، وماركسيًّا متحمّسًا. ومضى "كورييل" لاحقًا ليقود الحركة الديمقراطية الشيوعية للتحرر الوطني في مصر. تعرض "هنري" للاعتقال والسجن مرارًا وتكرارًا، لينتهي به المطاف مغتالًا على أيدي متطرفين يمينيين في باريس. كانت التفاعلات الفكرية بينهما عميقة الغور؛ إذ اعترف "جورج" في عام 1991 بأن تأثير "كورييل" لعب دورًا محوريًّا في تشكيل قناعاته السياسية.

ورغم ذلك، عاد "جورج" إلى هولندا، ولا يزال واقعًا تحت تأثير إيمان والدته البروتستانتي الراسخ وطموحه في الانخراط في سلك الكنيسة. وحين اندلعت شرارة الحرب العالمية الثانية، كان "جورج" يقضي إجازة الصيف في هولندا. فكابد أهوال "الحرب الخاطفة" (بليتزكريغ) التي شنتها ألمانيا النازية على "روتردام" في مايو 1940، ففرّ هاربًا بدراجته من المدينة القديمة المدمرة قاصدًا "لاهاي"، حيث كانت تعيش والدته وشقيقتاه. لكن بمجرد وصوله، اكتشف أنهن قد فررن بالفعل إلى إنجلترا. وفي الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب الألمانية تجتاح أوروبا الغربية، أبى "جورج" مغادرة وطنه الأم، مُؤْثِرًا الانضمام إلى صفوف المقاومة الهولندية كمرسالٍ سرّيّ.

كانت دوافعه مزيجًا معقدًا من العوامل؛ بدءًا من مشاعره وجنسيته المناصرة لبريطانيا، مرورًا بخلفيته العرقية نصف اليهودية، وصولًا إلى الاحتلال الغاشم لوطنه الهولندي. وعلى الرغم من إلقاء الألمان القبض عليه، إلا أن حداثة سنه لعبت لصالحه، فأُطلق سراحه نظرًا لكونه لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. وعلى مدار عامين تقريبًا بعد ذلك الحادث، ظل يراوغ الدوريات الألمانية ببراعةٍ لتوصيل الصحف السرية والمعلومات الاستخباراتية حول مواقع الجيش الألماني إلى قوات الحلفاء.

بعد أن أتمّ الثامنة عشرة، استشعر "جورج" أن في جعبته ما يقدمه للمجهود الحربي أكثر بكثيرٍ من مجرد نقل الرسائل عبر أراضي هولندا المحتلة. كان في ذلك الحين يقيم مع عائلةٍ في قرية "زوندرت" بجنوب هولندا، وبالتآزر مع ابنتي تلك العائلة، خطط للفرار واللحاق أخيرًا بأسرته في إنجلترا. تمثلت المحطة الأولى من رحلته في عبور الحدود الهولندية نحو بلجيكا. واجه الثلاثة جنديًّا على بُعد مئة ياردةٍ فقط من الحدود، لكن لحسن الطالع، كانت الفتاتان تعرفان هذا الجندي النمساوي-الألماني من خلال ارتيادهما للكنيسة الكاثوليكية المحلية، فسمح له بالعبور إلى بلجيكا. واصل "جورج" رحلته المضنية والمحفوفة بالمخاطر عبر فرنسا المحتلة وصولًا إلى إسبانيا. وهناك، أُودع السجن لمدة ثلاثة أشهرٍ إلى أن قرر الدكتاتور الإسباني "فرانكو" إعادة العمل بمبدأ الحياد الإسباني. وعقب الإفراج عنه، واصل "جورج" مسيره حثيثًا نحو "جبل طارق"، ليصل أخيرًا إلى لندن بحلول شهر يناير من عام 1943.

فور وصوله إلى إنجلترا، احتُجز لفترةٍ وجيزةٍ لإجراء تحقيقاتٍ أمنيةٍ في مدرسة "رويال فيكتوريا الوطنية" في منطقة "واندسوورث" بجنوب لندن. وبعد اجتيازه الفحوصات الأمنية اللازمة، التأم شمله أخيرًا بوالدته وشقيقتيه. وسعيًا منهم لفتح صفحةٍ جديدة، قاموا بإضفاء طابعٍ إنجليزيٍّ على لقب عائلتهم، فحوّلوه من "بيهار" إلى "بليك". وبدافع تصميمه الراسخ على مواصلة القتال ضد النازيين، انضم "بليك" إلى البحرية الملكية. وهناك، تناهى إلى سمعه وجود فرعٍ في البحرية يُسمى "الخدمة الخاصة"، فسارع بالتسجيل فيه فورًا. ولكن، ومما أثار خيبة أمله العميقة، لم يكن هذا الفرع معنيًّا بالتجسس أو العمل الاستخباراتي، بل كان يختص بتشغيل غواصاتٍ صغيرةٍ تتسع لرجلين فقط. في البداية، أُلحق بفرع الغواصات، لكن تبيّن عدم لياقته للمنصب بسبب ميله المتكرر لفقدان الوعي تحت الماء.

بيد أن إجادته التامة للغتين الهولندية والألمانية، فضلًا عن الفترة التي أمضاها في صفوف المقاومة، لفتت أنظار جهاز الاستخبارات السرية (اس أي اس). وسرعان ما قام أحد مسؤولي التجنيد في الاستخبارات عام 1944 باستقطاب "جورج بليك"، ليمنحه أول تجربةٍ حقيقيةٍ في العمليات السرية ضمن "منظمة العمليات الخاصة". أُصيب بخيبة أملٍ في بادئ الأمر لعدم إرساله إلى هولندا؛ وبدلًا من ذلك، وكجزءٍ من القسم الهولندي بالمنظمة، ساهم في دعم حركات المقاومة في أوروبا عبر تدريب العملاء الذين يُرسلون إلى هولندا، وعكف على فك شفرات المواد التي كانوا يبعثون بها. ولأنه بنى سمعةً مهنيةً صلبةً بين أقرانه، سرعان ما رشحه رؤساؤه للترقية. وفي شهر سبتمبر من عام 1945، أوفدته المخابرات البريطانية , إلى مدينة "هامبورغ" ليخوض أولى مهامه الميدانية.

في أعقاب الحرب، وجد "بليك" نفسه يعمل لصالح وحدة الاستخبارات البحرية. وتركزت مهامه بالأساس على استجواب القادة السابقين للغواصات الألمانية (يو-بوت) للتحقق مما إذا كانوا يضعون اللبنات الأولى لحركة مقاومةٍ نازيةٍ سرية. كما أُسندت إليه مهمة التجسس على القوات السوفيتية، وسرعان ما أدرك أن الضباط الألمان السابقين -الذين كان الكثير منهم يمر بضائقةٍ ماليةٍ خانقة- كانوا على أتم الاستعداد لاستغلال شبكة معارفهم الواسعة في ألمانيا الشرقية للمساعدة في بناء شبكة استخباراتٍ محلية.

تُوّجت المهمة بنجاحٍ باهر، حيث لعب "بليك" دورًا محوريًّا في تأسيس شبكةٍ من العملاء في صميم ألمانيا الشرقية. هذا النجاح، مقترنًا بموهبة "بليك" الفذة في اللغات، حدا بالمخابرات البريطانية إلى إرساله لجامعة "كامبريدج" بعد عودته إلى بريطانيا. وفي مواجهة التهديد الشيوعي المتصاعد باستمرار من قِبَل الاتحاد السوفيتي، كُلف "جورج بليك" بتعميق فهمه وإتقانه للغة الروسية.

لم تكن "كامبريدج" مجرد صرحٍ أكاديمي؛ بل كانت أرضًا خصبةً لتجنيد عملاء المخابرات البريطانية، وكما سيكشف التاريخ لاحقًا، لتجنيد عملاء مزدوجين لصالح الاستخبارات السوفيتية (كي چي بي). هناك، تتلمذ "جورج" على يد أستاذةٍ إنجليزية تنحدر من أمٍّ روسية. لم تكن هذه الأستاذة تروّج للشيوعية، بل كانت تكنّ حبًّا متجذرًا للثقافة الروسية والكنيسة الأرثوذكسية. وتحت كنف توجيهاتها، وجد "جورج" نفسه ينجذب شيئًا فشيئًا نحو روسيا. لم يكن هذا الانبهار المتنامي مجرد فضولٍ أكاديمي، بل كان البادرة الأولى لتحولٍ جذريٍّ في بوصلة "جورج" الأيديولوجية. ورغم أنه لم يصبح شيوعيًّا بعد، إلا أن البذور كانت قد بُذرت بالفعل، وكانت مهمته التالية بمثابة المحفز الذي أشعل فتيل تغيير ولاءاته.

في السادس من نوفمبر عام 1948، أُرسل "جورج بليك" إلى المفوضية البريطانية في مدينة "سول" بكوريا الجنوبية. ورغم أن لقبه الرسمي كان "نائب القنصل"، إلا أن مهمته الحقيقية كانت شديدة السرية والتخفي؛ إذ كُلف بجمع معلوماتٍ استخباراتيةٍ عن الأنشطة الشيوعية في كوريا الشمالية، والصين، والشرق الأقصى السوفيتي. كانت كوريا قد استحالت ساحة معركةٍ أيديولوجية بعد تقسيمها عند خط العرض 38 في عام 1948، حيث دعم الاتحاد السوفيتي الشطر الشمالي، بينما ساندت الولايات المتحدة نظامًا شديد العداء للشيوعية في الجنوب.

أُلقي بـ “جورج بليك" في أتون هذه البيئة المحفوفة بالمخاطر، متسلحًا بذكائه الحاد وغطائه الدبلوماسي لا غير. إلا أن مساعيه الرامية إلى تأسيس شبكة عملاء في كوريا الشمالية باءت بالفشل الذريع، وبمرور الوقت، تنامى شعوره بخيبة الأمل حيال الإدارة العميلة (الدمية) التابعة لأمريكا في "سول"، والتي بات ينظر إليها كإدارةٍ فاشية. ثم انقلب المشهد الجيوسياسي رأسًا على عقب في الخامس والعشرين من يونيو عام 1950 باندلاع الحرب الكورية. ففي هجومٍ مباغتٍ وسريع، اجتاح جيش الشعب الكوري القادم من الشمال مدينة "سول". وبينما احتشدت القوات البريطانية للدفاع عن الجنوب تحت لواء قيادة الأمم المتحدة، وقع "بليك" ومعه زملاؤه من الدبلوماسيين البريطانيين أسرى في قبضة القوات الكورية الشمالية.

ومع تغير موازين الحرب، نُقل الأسرى إلى مناطق أبعد في الشمال، في رحلةٍ شاقةٍ مروا خلالها بمدينة "بيونغ يانغ" وصولًا في نهاية المطاف إلى نهر "يالو". وخلال تلك الفترة، كان شاهدَ عيانٍ على القصف المروع الذي تعرضت له كوريا الشمالية. لقد كان حجم الدمار الذي خلفته القوات الجوية الأمريكية بقاذفاتها من طراز "بي-29" (والتي عُرفت بالقلاع الطائرة) يفوق أي شيءٍ رآه "بليك" من قبل، مما ملأ قلبه بالخزي والعار.

وأثناء فترة أسره، انغمس كليًّا في قراءة مؤلفات "كارل ماركس" و"فلاديمير لينين"، وهي كتبٌ كانت قد أُرسلت إلى معسكر الاعتقال الكوري الشمالي من مكتبٍ قريبٍ تابعٍ لجهاز أمن الدولة الألماني الشرقي (شتازي). هنا، بدأ التحول الأيديولوجي العميق لـ “بليك" يبلغ ذروته؛ فقد استقر في يقينه أن انتصار الشيوعية سيبشر بعصرٍ أكثر سلامًا للبشرية. وفي تناقضٍ صارخٍ مع القناعات المادية والإمبريالية للولايات المتحدة الأمريكية، اعتنق الشيوعية، وفي غمرة ذلك، وجد ولاءه للغرب يتزعزع ويتداعى.

وفي خريف عام 1951، اتخذ "بليك" خطوةً حاسمة؛ حيث مرّر لآسريه رسالةً مكتوبةً باللغة الروسية موجهةً إلى السفارة السوفيتية، يُشير فيها إلى امتلاكه معلوماتٍ بالغة الأهمية يود مشاركتها. ورغم أن "بليك" لم يكشف قَطّ عن التفاصيل الكاملة لتجنيده في جهاز الاستخبارات السوفيتية (كي چي بي)، إلا أن الثابت هو أنه بدأ في عقد لقاءاتٍ مع ضابطٍ سوفيتيٍّ شاب يُدعى "نيكولاي لينكو"، والذي أُرسل إلى المعسكر لاصطياد جواسيس غربيين محتملين من بين الأسرى. ولاختبار مدى مصداقيته وحسن نواياه، طُلب من "بليك" تدوين كل ما يعرفه عن الهيكل التنظيمي لجهاز الاستخبارات السرية البريطاني. نفّذ "بليك" ذلك فورًا، وعندما طُوبقت معلوماته مع تلك التي قدمها العميل البريطاني المزدوج "كيم فيلبي" مسبقًا للاستخبارات السوفيتية، جاءت متطابقةً تمامًا. وبهذا، اكتملت عملية تجنيد "جورج بليك" كعميلٍ مزدوجٍ لصالح جهاز الـ(كي چي بي).

توفي "جوزيف ستالين" في الخامس من مارس عام 1953، ومع تولي "نيكيتا خروتشوف" منصب رئيس الوزراء الجديد للاتحاد السوفيتي، بدأت حدة التوترات بين الشرق والغرب تخف وتيرتها. وسرعان ما أُبرمت ترتيباتٌ للإفراج عن "بليك" ورفاقه الأسرى في عمليةٍ لتبادل الأسرى. ولدى عودته إلى إنجلترا في الثاني والعشرين من أبريل عام 1953، كان "بليك" مهيأً لتسلق مراتب المخابرات البريطانية ,، لكنه في الخفاء كان يلعب لعبةً مزدوجةً شديدة الخطورة. ففي نظر العالم، كان ضابط استخباراتٍ بريطانيًّا مخلصًا وبطلًا حربيًّا عائدًا من الأسر، لكنه في الحقيقة، كان العميل الواعد والأكثر أهميةً للـ (كي چي بي) والمزروع داخل أروقة المخابرات البريطانية. لقد كان "جورج بليك" -الذي حمل الاسم الحركي "ديوميد"- على وشك أن يخطو خطواته الأولى في درب الخيانة وسوء السمعة.

في سبتمبر من عام 1953، استأنف "بليك" عمله في جهاز الاستخبارات السرية، وتمركز في مكاتبه الكائنة في مبنى "2 كارلتون غاردنز". هناك، التقى بسكرتيرة الجهاز "جيليان ألين"، وسرعان ما ارتبطا بعلاقةٍ عاطفية. ورغم وقوعهما في شباك الحب، كان "جورج" متهربًا من فكرة الزواج، لعلمه اليقين بأن الطريق الذي اختاره سيجرّها حتمًا إلى دربٍ مظلمٍ وشائك. بيد أن "جيليان" أصرت على البقاء مع "جورج"، وتوّجا حبهما بالزواج في سبتمبر 1954، ورُزقا بثلاثة أبناءٍ ذكور: "أنتوني"، و"جيمس"، و"باتريك".

وفي غضون شهرٍ من عودته إلى إنجلترا، التقى "بليك" بعميل الـ(كي چي بي) "سيرغي كريف". كان ضابط استخباراتٍ شابًّا وطموحًا، ابتعثته المخابرات السوفيتية بمسؤوليةٍ حصريةٍ تتمثل في إدارة "جاسوس موسكو" المزروع داخل المخابرات البريطانية ,. كان "كريف" منضمًّا حديثًا لمديرية الاستخبارات الأجنبية التابعة للـ (كي چي بي)، مما يعني أن صورته لم تكن قد أُدرجت بَعْدُ في سجلات المخابرات الداخلية البريطانية (MI5) المخصصة للجواسيس السوفييت المعروفين. كان اللقاء الأول بين الجاسوس ومشغله فرصةً للتعارف ومناقشة التفاصيل اللوجستية، بما في ذلك حاجة "بليك" الماسة إلى كاميرا لتصوير الوثائق السرية. وسرعان ما وفر له "كريف" المعدات اللازمة، ليبدأ "بليك" في تسريب كنزٍ دفينٍ من المواد البالغة السرية الخاصة بالـ, إلى السوفييت.

عُرف "بليك" لاحقًا بلقب "جاسوس وقت الغداء"، حيث كان ينتهز فرصة خروج زملائه لتناول طعام الغداء ليقوم بتصوير الوثائق السرية. كان دقيقًا وحذرًا في أساليبه، مستخدمًا كاميرا من طراز "مينوكس" لالتقاط نحو 200 صورةٍ شهريًّا لوثائق كان يمتلك صلاحية الوصول المشروع إليها بحكم وظيفته، متجنبًا بذلك إثارة أية شكوك. كشف "بليك" عن تفاصيل دقيقةٍ ومعقدةٍ حول أساليب التجسس الغربية وهياكلها الاستخباراتية. لقد أجهض العديد من العمليات، وأجبر الاستخبارات البريطانية على إجراء مراجعةٍ شاملةٍ وتغييرٍ جذريٍّ لإجراءاتها بعد اكتشاف خيانته. وبمجرد استقرار العملاء المتخفين في هوياتهم السرية وتوهمهم بالأمان، كان "بليك" يفضح أمرهم، مما أدى إلى تدمير مسيراتهم المهنية، واعتقالهم، بل وإعدام الكثيرين منهم خلف "الستار الحديدي".

وفي أبريل عام 1955، تلقى "جورج بليك" تكليفًا جديدًا في برلين، التي كانت تُمثل خط المواجهة الأول في ساحة المعركة الأيديولوجية للحرب الباردة. انتقل مع عائلته إلى ألمانيا، وتمركز في مكاتب المخابرات البريطانية الملحقة بملعب "هتلر" الأولمبي. ومن سخرية القدر، أنه كُلف بمهمة تجنيد عملاء سوفييت مزدوجين!

وخلال فترة تمركزه في برلين، ارتكب "بليك" ربما أفظع خياناته على الإطلاق، ألا وهي كشف غطاء "عملية الذهب"؛ وهي برنامج مراقبةٍ بريطانيٍّ-أمريكيٍّ مشترك. تمثلت هذه المبادرة البالغة السرية في حفر الحلفاء لما عُرف بـ “نفق برلين" للتنصت على خطوط الاتصالات السوفيتية في ألمانيا. هدف هذا المشروع المشترك بين وكالة المخابرات المركزية والمخابرات البريطانية , إلى اعتراض تحول السوفييت من استخدام المراسلات اللاسلكية (الراديو) إلى الاتصالات الأرضية. كان السوفييت قد نقلوا خطوط اتصالاتهم الأكثر تأمينًا إلى تحت الأرض في برلين، وسعى الحلفاء لاختراق هذه الخطوط كطريقةٍ للحصول على رؤيةٍ مبكرةٍ واستباقيةٍ للنوايا السوفيتية في أوروبا.

كان بناء النفق تحديًا هندسيًّا جسيمًا، ليس أقله طوله الذي بلغ 1476 قدمًا، وهو أطول قليلًا من ارتفاع مبنى "إمباير ستيت". كانت العملية طموحةً ومكلفة، حيث تجاوزت فاتورتها النهائية 6.5 مليون دولار. أما كيف تمكن "بليك" من إجهاض هذه العملية، فقد كان الأمر في غاية البساطة؛ فقد تصادف أنه كان يتولى مهام السكرتارية في الاجتماع الذي خُطط فيه للعملية مبدئيًّا، فقام بعمل نسخةٍ إضافيةٍ من محضر الاجتماع ورسمٍ تخطيطيٍّ للنفق، وسلّمهما على الفور لـ “كريف". وهكذا، حُكم على عملية التجسس الكبرى للغرب بالفشل الذريع منذ مهدها.

إلا أن الاستخبارات السوفيتية (كي چي بي) واجهت معضلةً؛ فإنهاء "عملية الذهب" في وقتٍ مبكرٍ جدًّا كان سيهدد بكشف هوية أحد أثمن عملائها المزدوجين. اقتصر العلم بالعملية على نخبةٍ مختارةٍ من كبار قادة الـ(كي چي بي)، والذين قرروا في الوقت الراهن غض الطرف وعدم اتخاذ أي إجراء. ومن الجليّ أن قيمة "جورج بليك" كعميلٍ مزروعٍ في قلب العدو كانت أغلى لدى السوفييت من أي ضررٍ محتملٍ قد يلحق بهم جراء التجسس الغربي.

قررت الاستخبارات السوفيتية التريث وانتظار اللحظة المناسبة، والتي حانت في أبريل عام 1956 عندما تم "اكتشاف" النفق في مسرحيةٍ مُدبرةٍ أُعدت خصيصًا للصحافة. حقق هذا الأمر مكسبًا دعائيًّا هائلًا للسوفييت، حيث وصفوا ما أقدمت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا بأنه انتهاكٌ صارخٌ لأعراف القانون الدولي و"عملٌ من أعمال العصابات". ورغم إغلاق "نفق برلين" بعد 11 شهرًا فقط، استمرت مراكز المعالجة في لندن وواشنطن في تفريغ مئات الآلاف من الاتصالات المعترضة حتى سبتمبر 1958.

نجح "بليك" في الإفلات من دائرة الاشتباه بعد اكتشاف السوفييت المزعوم "بمحض الصدفة" للنفق، وواصل على مدار السنوات الأربع التالية تسريب كل سرٍّ ذي قيمةٍ يقع بين يديه بشكلٍ منهجيٍّ. كان نجاح "بليك" كعميلٍ مزدوجٍ في برلين مدويًّا لدرجة أن ملفات الـ(كي چي بي)، التي هُربت لاحقًا من روسيا، دوّنت أن "بليك" قد تمكن فعليًّا من تحييد قدرات الاستخبارات الغربية في ألمانيا الشرقية بالكامل؛ فبمجرد أن كانت المخابرات البريطانية تجند عملاءً جُددًا، كان "بليك" يكشف أمرهم، لتنقض عليهم المخابرات السوفيتية، فيُزجّ بهم في السجون أو يُساقون إلى الإعدام.

لكن، كما يُقال، لكل ألعاب الجاسوسية المتقنة نهاية، وكما تجري العادة غالبًا، كان لا بد لمسيرة "بليك" أن تنتهي بطعنةٍ من الداخل. ففي الأشهر الأولى من عام 1958، سُلّم المبعوث الأمريكي في مدينة "بيرن" السويسرية رسالةً غامضةً. وتضمنت طياتها رسالةً أخرى مختومةً وموجهةً خصيصًا لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، "جيه إدغار هوفر"، ومكتوبةً باللغة الألمانية. حملت الرسالة توقيعًا باسم "هيكنشوتزه" (Heckenschütze)، والذي يُترجم إلى "القناص". وبدلًا من أن تصل الرسالة لـ “هوفر"، شقت طريقها إلى وكالة المخابرات المركزية.

ومع تحول الأسابيع إلى أشهر، بدأ المخبر السري المجهول في كشف أسرارٍ سوفيتيةٍ للمسؤولين الأمريكيين. سادت نظريةٌ تفيد بأن هذا المخبر السري هو مسؤولٌ رفيع المستوى في مجتمع الاستخبارات البولندي، وربما تجمعه صلاتٌ بالـ (كي چي بي). ورغم الشكوك الأولية التي أحاطت بتلك المعلومات الاستخباراتية غير المطلوبة، باعتبارها قد تكون مجرد طُعمٍ سوفيتيٍّ، إلا أنه سرعان ما تجلّى للجميع أن معلومات "القناص" كانت أصليةً وصادقةً.

تبيّن لاحقًا أن "القناص" لم يكن سوى "مايكل غولينيفسكي"، الذي كان يشغل حين تواصله الأول مع الولايات المتحدة منصب نائب رئيس الاستخبارات العسكرية البولندية المضادة. وكان من بين تسريباته الصادمة، الاحتمالية الواقعية لوجود جاسوسٍ (خُلد) يعمل داخل أروقة المخابرات البريطانية ,. زوّد العميل "القناص" وكالة المخابرات المركزية بقائمةٍ تضم سبعة جواسيس سوفييت يعملون في الولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل، إلى جانب قائمةٍ بـ 26 مسؤولًا بولنديًّا مستهدفين للتجنيد كعملاء محتملين. استنتجت الـمخابرات الأمريكية أن هذه القوائم لا بد أن الـ(كي چي بي) قد حصل عليها عبر جاسوسٍ مزروعٍ في المخابرات البريطانية السرية. نفت الـ, هذا الادعاء، مرجحةً أن الـ(كي چي بي) قد يكون استولى على الوثيقة بعد عملية سطوٍ على خزنةٍ في أحد مكاتبها في بروكسل.

ورغم هذا النفي، شرعت المخابرات البريطانية في التحقيق مع 10 رجالٍ كان لديهم صلاحية الوصول لتلك الوثيقة، وكان "بليك" من ضمنهم. تمت تبرئة العشرة بأكملهم، واضطرت المخابرات البريطانية للاعتراف باحتمالية وجود جاسوسٍ مزروعٍ، لكنهم كانوا يتخبطون في ظلام الجهل بهويته. بحلول الوقت الذي أنهى فيه "بليك" مهامه في برلين وعاد إلى لندن في مايو عام 1959، كان على الأرجح لا يزال قيد دائرة الشك. ورغم ذلك، واصل تسريب المعلومات الاستخباراتية الحساسة لمشغله السوفيتي لعامٍ إضافيٍّ. وفي سبتمبر 1960، سحبت المخابرات البريطانية "بليك" بهدوءٍ من الخدمة الفعلية، وأرسلته إلى "مركز الشرق الأوسط للدراسات العربية" في بيروت، متسترةً بحجة تعلمه اللغة العربية.

ورغم أن العميل "القناص" لم يذكر اسم "بليك" صراحةً قَطّ، إلا أن القرائن المتناثرة قادت المحققين في النهاية إلى عتبة بابه. انشق "غولينيفسكي" وهرب إلى أمريكا برفقة عشيقته في يناير عام 1961، وكانت شهادته، مقرونةً بالمعلومات التي تضمنتها رسائله السابقة، هي حجر الزاوية الذي أسقط القناع عن "بليك" وفضحه كعميلٍ مزدوجٍ. ولو أن الاستخبارات البريطانية نقّبت أعمق قليلًا خلال تحقيقها الأولي، لربما أمكنها سد نبع المعلومات المتدفق للسوفييت في وقتٍ أبكر بكثير، ولأنقذت أرواح بعض عملائها المكشوفين. غير أن الاستخبارات البريطانية كان لزامًا عليها أن تمضي قُدُمًا، فبدأت في جمع الأدلة بتمحيصٍ ودقةٍ تحضيرًا لما سيكون استجوابًا حاسمًا لمشتبههم الأول.

ومع تضييق الخناق على "بليك"، وتأمين "غولينيفسكي" في منزلٍ آمنٍ تابعٍ للـمخابرات الامريكية إثر انشقاقه، استُدعي "بليك" إلى لندن في الثالث من أبريل 1961. ورغم إبلاغ "بليك" بأن الغاية من سفره إلى لندن هي إجراء مقابلةٍ روتينيةٍ تتعلق بتكليفه القادم، إلا أن القلق كان ينهش قلبه. وقبل مغادرته بيروت، التقى للمرة الأخيرة بمشغله السوفيتي على شاطئٍ مقفر، حيث طمأنه الأخير بأن لندن لا تشك في شيءٍ البتة. واضعًا ثقته الكاملة في الاستخبارات السوفيتية، غادر إلى إنجلترا تاركًا خلفه زوجته الحامل وولديه.

وفور وصوله إلى إدارة شؤون الموظفين التابعة للمخابرات البريطانية في منطقة "سانت جيمس بارك"، أدرك "بليك" أن اللعبة قد انتهت. استقبلته لجنةٌ صارمةٌ من عملاء ,، وعلى مدار 48 ساعةً متواصلة، أُخضع لاستجوابٍ قاسٍ ومكثف. أُمطِر بوابلٍ من الأدلة التي تثبت تورطه في التجسس، واستُجوب بلا هوادة. ورغم الأدلة المتراكمة ضده، أنكر "بليك" كل شيءٍ بشدة، محافظًا على رباطة جأشه تحت الضغط. وبدا، رغم كل الصعاب، وكأنه قد استحوذ على زمام المبادرة في الاستجواب. إلا أنه مع مرور الساعات الطويلة والمضنية، بدأ الإرهاق ينال من "بليك".

وانهار أخيرًا عندما لمّح عملاء وكالة المخابرات المركزية، إلى أنه ربما تعرض للتعذيب أثناء أسره في كوريا الشمالية ليُجبر إكراهًا على التحول إلى جاسوس. نفى "بليك" ذلك فورًا؛ ففي استجابةٍ انفعاليةٍ سريعة، صرّح بأن قراره بالعمل مع السوفييت كان نابعًا من محض إرادته الحرة. وبنطقه لتلك الكلمات، كان "بليك" قد ختم مصيره بيده. وأمام الأدلة الدامغة وإدراكه التام بأن غطاءه قد انكشف بلا رجعة، تبددت مقاومة "بليك"، وبدأ في التعاون مع محققي المخابرات الأمريكية، كاشفًا عن أغوار وتفاصيل خيانته بصراحةٍ صادمةٍ.

أرسل التأكيد على أسوأ مخاوف الاستخبارات البريطانية موجاتٍ من الصدمة العنيفة عبر أروقة المنظمة، وفي أوساط الاستخبارات الغربية قاطبة. لقد كانت فكرة إمكانية تعرضهم للخيانة من قِبَل أحد أفرادهم -رجلٌ كابد سنواتٍ من الأسر فداءً لوطنه- أمرًا يكاد لا يصدقه عقل. أقرّ "بليك" بأنه سلّم لمشغله السوفيتي هيكلًا تفصيليًّا كاملًا لكوادر المخابرات البريطانية، ومواقع كافة منازلها الآمنة، وتنظيمها القتالي، ومحطاتها الخارجية في جميع أنحاء العالم. وفي تقييمٍ لاحقٍ لحجم الضرر الذي ألحقه "بليك" بالاستخبارات الغربية، تبيّن أنه كان أفدح بكثيرٍ مما تسبب به الجاسوس "فيلبي". ووفقًا لاعترافات "بليك" الشخصية، فإنه قد كشف غطاء ما يقرب من 400 عميلٍ غربيٍّ يعملون سرًّا خلف الستار الحديدي. وفي حين ألحق أضرارًا لا حصر لها ببريطانيا العظمى، كانت اللعبة قد انتهت أخيرًا، وحان الوقت ليمثُل "جورج بليك" أمام هيئة محلفين من أقرانه.

في شهر مايو من عام 1961، وقف "جورج بليك" للمحاكمة في محكمة "أولد بيلي" العريقة بتهم التجسس بموجب قانون الأسرار الرسمية لعام 1911. كانت العقوبة القصوى للمخالفة الواحدة تُقدر بـ 14 عامًا، غير أن أفعال "بليك" قُسمت إلى خمس فتراتٍ زمنيةٍ منفصلة، مما أسفر عن توجيه خمس تهمٍ مستقلةٍ إليه. وفي الثالث من مايو 1961، أقرّ "بليك" بالذنب في جميع التهم الموجهة إليه. وعُقدت معظم جلسات المحاكمة خلف أبوابٍ مغلقة، ظاهريًّا لحماية أسرار الاستخبارات البريطانية، لكن السبب الأرجح كان تجنيب الحكومة المزيد من الفضائح والإحراج.

أصدر رئيس القضاة، اللورد "باركر" من وادينغتون، أقصى عقوبةٍ ممكنة؛ 14 عامًا لكل تهمةٍ من تهم التجسس الثلاث لتُنفذ على التوالي، و14 عامًا للتهمتين المتبقيتين لتُنفذ بالتزامن. وبلغ إجمالي العقوبة سجنًا صادمًا مدته 42 عامًا، ليصبح بذلك أحد أطول الأحكام غير المؤبدة التي تصدرها محكمةٌ بريطانيةٌ على الإطلاق. أبدى "بليك" ذهوله من قسوة الحكم، لاسيما وأنه أبدى تعاونًا تامًّا مع السلطات وأقرّ بذنبه.

لم يكن هذا الحكم القاسي كافيًا لتبديد سحابة التساؤلات التي ظلت تخيم على نزاهة مجتمع الاستخبارات. وفي أعقاب المحاكمة، سعى رئيس الوزراء "هارولد ماكميلان" -الذي كان قد طالته بالفعل سهام الإحراج بسبب إخفاقاتٍ أخرى لما أسماه متهكمًا "ما يُسمى بجهاز الاستخبارات السري"- إلى التقليل من فداحة خيانات "بليك" أمام البرلمان. زعم "ماكميلان" أنه على الرغم من أن "بليك" قد أضرّ بمصالح الأمة فعلًا، إلا أن الضرر لم يكن مستعصيًا على الإصلاح.

لكن الحقيقة كانت أشد قتامة؛ فبينما أصرّ "بليك" على أن أحدًا من العملاء الذين فضحهم لم يتعرض لأي أذىً جسديٍّ، كانت تقييمات المخابرات البريطانية، ترسم لوحةً مغايرةً تمامًا. أشارت التقديرات إلى أن ما لا يقل عن 40 عميلًا، من أصل قرابة 400 كشفهم "بليك"، قد لقوا حتفهم مبكرًا على أيدي الـ(كي چي بي). أدركت وكالة الاستخبارات المركزية، قضية "بليك" على حقيقتها: اختراقٌ عميقٌ ومدمّرٌ للجهود الاستخباراتية للحلفاء ضد السوفييت.

استمرت أصداء ما بعد المحاكمة تتردد في الأشهر والسنوات التي تلتها. وقوبلت محاولات "ماكميلان" للتهوين من حجم الضرر بتشكيكٍ جماهيريٍّ، وجاء الكشف اللاحق عن جواسيس وفضائح أخرى ليزيد من تآكل ثقة الرأي العام. وتضافرت قضية "بليك" مع الإخفاقات الاستخباراتية الأخرى لتُسهم في النهاية في استقالة "ماكميلان" عام 1963.

وبعد إيداعه سجن "وورموود سكرابز"، كان من الممكن أن يطوي النسيان ذكر "بليك" كأي خائنٍ آخر نال جزاءه العادل. فبعد علمها بخيانة زوجها، حافظت "جيليان" على استمرار الزواج، وواظبت على زيارته في السجن. لكن خلال إحدى الزيارات عام 1966، فاجأت "جيليان" زوجها "جورج" بخبر أنها قد التقت برجلٍ آخر وأنها تعتزم رفع دعوى طلاق. ومع قضائه عقوبةً ترقى فعليًّا إلى السجن مدى الحياة، وانهيار عائلته، لم يعد لدى "جورج بليك" ما يخسره، لكنه لم يفرغ بَعْدُ من تصدّر عناوين الصحف.

كان سجن "وورموود سكرابز"، الذي يعود تاريخه إلى العصر الفيكتوري بجدرانه المبنية من الطوب الشاهق وأبراج المراقبة، مُصممًا ليكون عصيًّا على الاختراق. لكنه بالنسبة لـ “جورج بليك"، أضحى مسرحًا لواحدةٍ من أشهر عمليات الهروب من السجون في التاريخ البريطاني. دلف "بليك" إلى هذه القلعة في عام 1961، وهي مكانٌ كان مجرد ذكر اسمه يبعث على التعاطف مع نزلائه. وفي الداخل، لم يكن "بليك" شخصيةً منعزلة، بل نسج علاقاتٍ وطيدة، لا سيما مع "شون بورك"، وهو شخصيةٌ أيرلنديةٌ مناهضةٌ للسلطة، وسجينين آخرين هما "بات بوتل" و"مايكل راندال". كان "شون بورك" يقضي عقوبةً بالسجن لسبع سنواتٍ بتهمة إرسال قنبلةٍ مخبأةٍ في علبة بسكويت إلى رجل شرطة، ورغم انفجار القنبلة، نجا الشرطي. أما "بوتل" و"راندال"، فكانا ناشطين في حملة نزع السلاح النووي، ويقضيان فترات سجنٍ قصيرةٍ بتهم ارتكاب جرائم غير عنيفةٍ طالتهم أثناء قيامهم بمهامهم السلمية. وسرعان ما تبادل الرجال أطراف الحديث، ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى شرعوا في حياكة اللبنات الأولى لخطةٍ تهدف إلى تهريب "بليك" من السجن فور الإفراج عن البقية.

بمجرد أن أنهى الرجال الثلاثة عقوباتهم، باشروا العمل في الخارج. قام "بورك" بتهريب جهاز اتصالٍ لاسلكيٍّ ثنائي الاتجاه، استُخدم للتواصل مع "بليك" وتنسيق عملية الهروب. كما أسهم "بوتل" و"راندال" في الخطة من خلال جمع التبرعات لشراء سيارة الهروب واستئجار شقةٍ في لندن ليتوارى فيها "بليك" عن أعين السلطات بمجرد فراره. وتحدد موعد الهروب أخيرًا في مساء يوم 22 أكتوبر 1966؛ فبعد أن أمضى 5 سنواتٍ من عقوبته البالغة 42 عامًا، كان "جورج بليك" على موعدٍ مع الحرية. كانت الخطة في غاية البساطة: سيتسلل "بليك" بعيدًا بينما ينشغل السجناء والحراس بمشاهدة فيلم، ثم سيتسلق سور السجن بمساعدة "بورك" الذي سيلقي له سلمًا مصنوعًا من الحبال.

وفي تلك الليلة الممطرة، متخفيًا تحت بطانياتٍ مُسدلةٍ فوق درابزين بئر السلم، تمكن "بليك" من حشر نفسه عبر فجوةٍ ضيقةٍ بين القضبان الحديدية لنافذةٍ حطمها سجينٌ آخر عمدًا. ثم اجتاز حواف السقف الزلقة بحذر، وشق طريقه نحو الحافة. وبمرونةٍ ورشاقة، أمسك بمزراب المياه وانزلق نحو الأرض، ملاصقًا جسده بمبنى السجن في الضوء الخافت لمصابيح فناء السجن. وبعد ما بدا وكأنه دهرٌ بأكمله، لمح أخيرًا السلم يُلقى من فوق السور. استرجع "بليك" تلك اللحظات لاحقًا قائلًا: "لقد بدا رقيقًا وهشًّا للغاية، ولكن بمجرد أن رأيته، أيقنت أن لا شيء يمكنه إيقافي الآن".

تسلق "بليك" السور بنجاح، على الرغم من إصابته بكسرٍ في معصمه وفقدانه الوعي للحظاتٍ بعد قفزه من السلم أثناء هبوطه على الأرض. سارع "بورك" بإدخال "بليك" إلى سيارة الهروب، وانطلقا مسرعَين في عتمة الليل. بيد أن هروبهما لم يخلُ من العقبات، ففي غمرة عجلتهما للفرار، اصطدم "بورك" بسيارةٍ أخرى كانت قد توقفت لعبور المشاة. ورغم نظرات الاستغراب والدهشة من المارّة، واصلا طريقهما ونجحا في بلوغ مخبأهما في غضون دقائق معدودة.

وعندما لُوحظ غياب "بليك" أخيرًا عن سجن "وورموود سكرابز"، انطلقت شرارة واحدةٍ من أضخم حملات المطاردة في تاريخ بريطانيا. مشّط الضباط المطارات والسفارات، وسرت شائعاتٌ كاذبةٌ تفيد بأنه سيتم تهريبه خارج البلاد عبر إخفائه داخل حقيبة قيثارةٍ تخص الأوركسترا الوطنية التشيكوسلوفاكية. وفي الأسابيع التي تلت فراره الجريء، توالت تقارير عن مشاهدة "بليك" من كل بقاع الأرض. وبناءً على إخباريةٍ سرية، طوقت السلطات الأسترالية طائرةً هبطت في "سيدني"، وفتشت الركاب بحثًا عن أي أثرٍ لتنكر، لكن لم يُعثر لـ “بليك" على أثر. وبينما كانت هذه الزوبعة تدور، ظل "بليك" قابعًا في لندن، يتنقل من منزلٍ آمنٍ إلى آخر.

درس "بليك" و"بورك" خياراتٍ شتى لتهريبه إلى روسيا، بما في ذلك صبغ بشرته باللون البني كنوعٍ من التخفي، أو حتى إلقائه من فوق سور السفارة السوفيتية في لندن. وبعد مداولاتٍ طويلة، استقر الخيار على تهريبه في مقصورةٍ سريةٍ داخل سيارة تخييمٍ (عربة نقل). وفي ليلة 17 ديسمبر 1966، وبينما كان "جورج بليك" مختبئًا في المقصورة السرية، انطلق "مايكل راندال" وزوجته "آن" وأطفالهما في رحلةٍ عبر الحدود متذرعين بالذهاب في عطلةٍ إلى القارة الأوروبية. وفي طريقهم إلى مدينة "دوفر" للحاق بعبّارة عبور القناة الإنجليزية (المانش)، انتابهم الذعر عندما بدأ "بليك" في إحداث أصوات طرقٍ من داخل مخبئه. كان يحمل معه قِربة ماءٍ ساخن، لكن في ذلك الحيز الضيق، تسببت الرائحة النفاذة للمطاط الدافئ في إصابته بغثيانٍ شديدٍ جعله يتقيأ. وبعد التخلص من القربة، بالكاد تمكنوا من اللحاق بالعبّارة قبل موعد إبحارها في منتصف الليل.

سُمح للسيارة بالصعود دون تفتيش، وبعد إتمام العبور، واصل "راندال" وزوجته القيادة دون توقفٍ عبر بلجيكا وصولًا إلى ألمانيا الغربية، ولم يتوقفا إلا عندما بلغا نقطة تفتيش "هيلمشتيت-مارينبورن" على حدود ألمانيا الشرقية بالقرب من برلين. تُرِك "بليك" في منطقةٍ مشجرةٍ بالقرب من نقطة تفتيشٍ تابعة لألمانيا الشرقية. وهناك، التقى بضابط جيشٍ فوجئ بادعاء "بليك" أنه إنجليزي، فقام على الفور بالاتصال بالمخابرات السوفيتية (كي چي بي). وسرعان ما حضر مشغل "بليك" إلى المكان واصطحبه مسرعًا لإجراء استجوابٍ أوليٍّ.

لقد أتت مقامرة "جورج بليك" من أجل الحرية أُكلها؛ فنجح في الإفلات من جحافل الشرطة البريطانية التي كانت تقتفي أثره، وسرعان ما استقل طائرةً متجهةً إلى موسكو. مثّل هذا الهروب إحراجًا بالغًا لوزير الداخلية البريطاني الليبرالي "روي جينكينز". ولم يكن "بليك" سوى حلقةٍ في سلسلةٍ من حوادث الفرار البارزة من السجون، حيث سبقه السجينان في قضية "سرقة القطار الكبرى"، "تشارلي ويلسون" و"روني بيجز"، بالفرار من قبضة السجن البريطاني في عامي 1964 و1965 على التوالي. وبعد أن أمضى 5 سنواتٍ فقط من عقوبته البالغة 42 عامًا، أصبح "بليك" حرًّا طليقًا من جديد. وُضعت الحكومة البريطانية في موقفٍ يجلّله الخزي؛ فليس فقط أن أحد أسوأ خونتها سمعةً قد فرّ من سجنٍ شديد الحراسة، بل تمكن أيضًا من الهروب إلى قلب معقل العدو.

في قلب العاصمة موسكو، وجد "جورج بليك" بدايةً جديدة. أمست موسكو ملاذًا آمنًا له، حيث استطاع العيش دون الحاجة لأن يلتفت وراءه قلقًا، لكنها كانت في الوقت عينه قفصًا ذهبيًّا لا رجعة منه. استقبله الاتحاد السوفيتي لا كخائنٍ، بل كبطلٍ قوميٍّ. ومع ذلك، كانت الفاتورة الشخصية لأفعاله جليّة؛ فقد كان انفصاله عن أبنائه الثلاثة جرحًا غائرًا سيستغرق سنواتٍ ليلتئم. وفي عام 1990، خطّ بقلمه سيرته الذاتية بعنوان "لا خيار آخر"، ساردًا فيها رحلته والخيارات التي اتخذها. يعكس الكتاب نظرته الحتمية إلى حدٍ ما لمجريات حياته، ولعلها من بقايا معتقداته الكالفينية القديمة.

وطوال فترة إقامته في موسكو، ظل إيمان "بليك" بالشيوعية صلبًا لا يلين، رغم ما تكشف لاحقًا من فظائع حقيقيةٍ اقترفتها الشيوعية الستالينية. وفي مقابلاتٍ أُجريت معه خلال التسعينيات، كثيرًا ما تحدث عنها بوصفها "التجربة الكبرى للبشرية، ورؤيةً لمجتمعٍ عادل". ورغم ذلك، ظل ثقل قراراته يلاحقه؛ ففي حين كان يعتقد بسذاجةٍ أن أيًّا من العملاء الذين خانهم لم يُعدم، تُشير كافة الأدلة إلى أن ما لا يقل عن 40 من أولئك العملاء قد قُتلوا على أيدي الـ(كي چي بي) أو مأجورين يعملون لصالحهم.

وسط هذه العواصف السياسية والشخصية، دقّ الحب باب "بليك" مجددًا. ففي عام 1968، تزوج من "إيدا ميخائيلوفنا كارايفا"، ورُزقا بطفل. كما جلب له الزمن مصالحةً مع أبنائه من زواجه الأول. ومع انقضاء السنوات، توالت عليه الأوسمة والتكريمات؛ ففي عام 2007، وبمناسبة عيد ميلاده الخامس والثمانين، قلّده "فلاديمير بوتين" وسام الصداقة. وبحلول عام 2012، كان "بليك" -الذي بلغ التسعين من عمره- يعيش في موسكو مستفيدًا من معاشٍ تقاعديٍّ من الـ(كي چي بي) في شقةٍ فسيحةٍ ومجانية. ورغم أن تقدم العمر قد نال من بصره وجعله شبه كفيف، إلا أن معتقداته ظلت راسخةً لا تتزعزع. لم يكن يرى نفسه خائنًا بريطانيًّا، بل ماركسيًّا-لينينيًّا مخلصًا. ولعل مقولته: "لكي تخون، يجب أن تنتمي أولًا، وأنا لم أنتمِ قَطّ"، تلخص بعمقٍ عقيدته التي التزم بها طوال حياته. فرغم أنه كان يحمل الجنسيتين البريطانية والهولندية، وكان يكنّ المودة لكلا الشعبين والثقافتين، إلا أن قلبه كان مخلصًا لبوصلته الأيديولوجية وحدها.

وفي مؤتمرٍ صحفيٍّ وُجه للصحفيين الغربيين في موسكو عام 1992، قال "جورج بليك": "أولئك الأشخاص الذين تعرضوا للخيانة لم يكونوا أناسًا أبرياء؛ لم يكونوا أفضل أو أسوأ مني، فهذا كله جزءٌ من عالم الاستخبارات. ولو جاء الرجل الذي وشى بي إلى منزلي اليوم، لدعوته للجلوس وتناول كوبٍ من الشاي".

أما بالنسبة لـ “شون بورك"، فقد لحق بـ “بليك" إلى موسكو حيث عاش لمدة 18 شهرًا، لكن الحياة في روسيا لم ترُق له، فعاد أدراجه إلى أيرلندا. ورغم المطالبات الحثيثة من الحكومة البريطانية، رفضت الحكومة الأيرلندية تسليم "بورك"، متذرعةً بأن دوره في مساعدة "بليك" على الفرار يندرج ضمن "استثناء الجرائم السياسية" في قوانين تسليم المجرمين الأيرلندية.

وفي عام 1991، أُحيل "بات بوتل" و"مايكل راندال" أخيرًا إلى المحاكمة لدورهما في مساعدة "بليك" على الهروب من السجن. وقفا هما أيضًا في قفص الاتهام بمحكمة "أولد بيلي"، دافعَين عن نفسيهما بأن أفعالهما كانت مبررةً أخلاقيًّا. كانت دوافعهما لمساعدة "بليك" نابعةً من عقوبة السجن اللاإنسانية التي حُكم بها، والمعاملة القاسية التي لقيها من النظام القضائي البريطاني. ورغم توجيه القاضي للمحلفين بإدانتهما، إلا أن هيئة المحلفين تجاهلت التوجيه، وبرّأت ساحة الرجلين بالإجماع.

أُسدل الستار على الفصل الأخير من حياة "جورج بليك" في السادس والعشرين من ديسمبر عام 2020، عن عمرٍ يناهز 98 عامًا؛ إذ فارق ضابط المخابرات البريطانية والجاسوس السوفيتي السابق الحياة في موسكو. طوت وفاته صفحة حياةٍ امتدت لقرابة قرنٍ من الزمان، حياةٍ مُتخمةٍ بالمنعطفات والتقلبات التي تفوق في إثارتها أعتى روايات التجسس. ونعته المخابرات الخارجية الروسية واصفةً إياه بأنه "محترفٌ فذٌّ يتمتع بشجاعةٍ وعزيمةٍ استثنائيتين". وأعرب الرئيس "فلاديمير بوتين" عن خالص تعازيه، مؤكدًا أن "بليك" قدم مساهمةً قيّمةً في ضمان التكافؤ الاستراتيجي خلال الحرب الباردة والحفاظ على السلام في الكوكب.

وعلى النقيض من ذلك، كان رد فعل الحكومة البريطانية في الغرب أكثر فتورًا وبرودًا. أعادت وفاة "بليك" إشعال فتيل الجدل حول إرثه؛ فبالنسبة للبعض، لم يكن سوى خائنٍ ألحق ببلاده وبالعالم الحر ضررًا لا يُقاس، بينما رآه آخرون رجلَ مبادئ وقف بصلابةٍ خلف معتقداته، حتى وإن قادته إلى دروبٍ محفوفةٍ بالمخاطر.

وُوري "جورج بليك" الثرى في مقبرة "ترويكوروفسكايا" بموسكو، المدينة التي احتضنته لأكثر من نصف قرن. حضر المراسم البسيطة عائلته، وأصدقاؤه، وزملاؤه القدامى في الـ(كي چي بي). ومع هبوب الرياح الشتوية الباردة عبر جنبات المقبرة، خيّم إحساسٌ عميقٌ بطي صفحة حقبةٍ بأكملها. وبصرف النظر عن رأيك في "جورج بليك" والقرارات التي اتخذها، فقد كان حقًّا رجلًا لعب لعبة الجواسيس بامتياز.

❊❊❊

العودة إلى ملفات القضايا